القرطبي

405

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار ، فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه ، وإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم . الثالثة - قال علماؤنا : وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة ، بأن يعطي الزوج على أن تصبر هي ، أو تعطي هي على أن يؤثر الزوج ، أو على أن يؤثر ( 1 ) ويتمسك بالعصمة ، أو يقع الصلح على الصبر والاثرة من غير عطاء ، فهذا كله مباح . وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشئ تعطيها ، كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غضب على صفية ، فقالت لعائشة : أصلحي بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وهبت يومي لك . ذكره ابن خويز منداد في أحكامه عن عائشة قالت : وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية في شئ ، فقالت لي صفية : هل لك أن ترضين رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ولك يومي ؟ قالت : فلبست خمارا كان عندي مصبوغا بزعفران ونضحته ، ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إليك عني فإنه ليس بيومك ) . فقلت : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وأخبرته الخبر ، فرضي عنها . وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها . الرابعة - قرأ الكوفيون ( يصلحا ) . والباقون ( أن يصالحا ) . الجحدري ( يصلحا ) فمن قرأ ( يصالحا ) فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال : تصالح القوم ، ولا يقال : أصلح القوم ؟ ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحا . ومن قرأ ( يصلحا ) فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع ، كما قال ( فأصلح بينهم ) . ونصب قوله : ( صلحا ) على هذه القراءة على أنه مفعول ، وهو اسم مثل العطاء من أعطيت . فأصلحت صلحا مثل أصلحت أمرا ، وكذلك هو مفعول أيضا على قراءة من قرأ ( يصالحا ) لان تفاعل قد جاء متعديا ، ويحتمل أن يكون مصدرا حذفت زوائده . ومن قرأ ( يصلحا )

--> ( 1 ) في ج : أن تؤثر الزوج أو على أن تؤثر الخ . راجع ج 2 ص 271